حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
335
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
قال الأكثرون : أي غير مقطوع كقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة . وقالت المعتزلة : في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء ، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبئ عن كونه غير ممنون . والحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثوابا عظيما . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة ، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه . وفيه إشارة إلى أن نعم اللّه تعالى كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقا فيهم ، وإليه الإشارة بقوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله لَعَلى إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع . قال سعيد بن هشام : قلت لعائشة : أخبريني عن خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قالت : كان خلقه القرآن . وفي رواية : قرأت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك ، وقال أنس : خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت ، ثم سلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم وهدد أعداءه بقوله فَسَتُبْصِرُ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين وَيُبْصِرُونَ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة . قوله بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة : الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون . وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس : المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود . وقيل : الباء بمعنى « في » وعلى هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه . وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال اللّه تعالى سيعلمون غدا بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل ، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما . ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي بمن جن وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وهم لعقلاء . والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد . قال المفسرون : إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد اللّه مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون اللّه مدة وآلهتهم مدة فأنزل اللّه تعالى فَلا